ترتقي مراجعة مدونة الأسرة، من مجرد إجراء قانوني أو تحيين تشريعي، إلى مشروع مجتمعي يجسد لالتقاء المرجعيات الفقهية ومقاصد الشريعة من جهة، ومتطلبات الواقع المتغير وواجب الوقت من جهة أخرى، وتعكس عمقا فكريا وشمولية منهجية، لا تسعى إلى استبدال نصوص بأخرى بقدر ما تروم بناء رؤية متكاملة تجعل الأسرة محورا مركزيا يعكس روح الأمة وخصوصيتها الحضارية.
وواكب هذا المسلسل نقاشا طويلا عريضا، خاض فيه العالِم وغيره، وبحث أصحاب الأجندات عن أغراضهم، وحاول البعض إخراج نقاش الإصلاح والمراجعة إلى بث خطاب منافي لجوهره، وتحميله من الأباطيل ما لا يتحمل، بل استغله البعض لتنصيب نفسه حارسا للمعبد، مستغفلا العامة بنقاشات حماسية تدغدغ المشاعر، وتجتزئ النصوص، وتجانب روح الشريعة.. ولم يبحث البعض إلا عن رفع نسب المشاهدة في “يوتيوب”.. وتلكم آزفة ليس لها من دون الله كاشفة. وركب النقاش، في الضفة الأخرى، من يسعى إلى إخراج الأسرة من بنيتها المجتمعية الأصيلة، وقيمها الفضلى، ودحرجة المرأة من قمة أدوارها التربوية العظمى إلى درك الدخول في دوامة الصراعات الداخلية والعائلية.. فأي أسرة نريد؟
وقد طرحت رحى النقاش سؤالا جوهريا، حول أي مدونة يريد المغاربة؟ وأي مدونة تصلح لهم؟ وبأي خلفيات ومرجعيات؟ وهل كل ما يروج في الفضاء الأزرق والأحمر الرقمي له مقعد صدق؟ وهل يستحضر الجميع القيم الأخلاقية في طروحاتهم؟ أم أنه خروج بعض الرويبضة من جحورهم لترويج مغالطاتهم واستمالة العقول الضعيفة؟ ألسنا بحاجة إلى الروية واستحضار صوت الحكمة؟
لقد كان جلالة الملك، حفظه الله، واضحا في وضع أس متين قوي يضبط هذه المراجعة، وهو ألا نحل ما حرم الله ولا نحرم ما أحل، وكان أبلغ وأفصح وأوضح من خلال وضع مواقيت الصلاة خلفه، في جلسة العمل التي خصصت لمراجعة مدونة الأسرة، من باب أنها “تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر”، وللفضاء بفسيفسائه وطابعه الروحي، وكأني بمولانا أمير المؤمنين، يبعث برسائل الاطمئنان بأنه الساهر على حماية الدين ومصالح المواطنين، والضامن لحفاظ المغاربة على قيمهم الأصيلة.
إن الوقوف على جوهر المراجعة في بعدها الفقهي والشرعي، يقتضي التأمل في قاعدة صلبة من أصول الفقه وهي قاعدة “الأمور بمقاصدها”، حيث تَبرز أهمية التركيز على الغايات الكبرى للشريعة الإسلامية في النظر الفقهي للنوازل؛ فالمدونة، باعتبارها الإطار القانوني الذي ينظم شؤون الأسرة، تُبنى على تحقيق مقاصد العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية، وهذه القاعدة تُمكّن من النظر إلى الإصلاحات من زاوية المقصد والغاية، بدلا من الاقتصار على ظاهر الأحكام، وفهمها بعيدا عن سياقها الزمكاني.
وتتيح القاعدة إعادة تقييم النصوص القانونية بما يحقق استقرار الأسرة وتماسكها، مع مراعاة التحولات الاجتماعية التي تتطلب اجتهادا مرنا وتجديدا شرعيا، والتركيز على المقاصد في هذه المراجعة يُظهر التزاما بتجاوز ظاهر النصوص إلى روح الشريعة، ما يضمن أن تكون التعديلات متوافقة مع القيم الدينية من جهة، وملبية لحاجيات المجتمع المتغيرة من جهة أخرى، والتي هي جوهر المقاصد، والعقد الناظم للكليات الخمس.
إن إحالة بعض القواعد على المجلس العلمي الأعلى ليست خطوة شكلية، بل هي تجديد لوظيفة الاجتهاد، الذي لا يُكتفى فيه بنقل الأحكام، بل بتأصيلها في ضوء المصلحة العامة ومقاصد الشريعة؛ حيث إن الاجتهاد أداة للتوفيق بين ثبات النصوص ودينامية الواقع، في إطار مرجعية دينية تُراعي “عدم تحريم حلال ولا تحليل حرام”، مع إعمال العقل في حدود ما يتيحه النص.
ومن الواجب الانتباه إلى أن مراجعة مدونة الأسرة في ضوء الفقه المالكي، له خصوصية الحكمة في تجديد الأحكام الشرعية، مع مراعاة التحولات الاجتماعية التي يشهدها البلد، لما يوفره المذهب، القائم على عمل أهل المدينة، من أدوات اجتهادية مثل الاستحسان والمصلحة المرسلة، اللتين تعدان من أبرز معالم تحقيق مقصد الشارع من الأحكام في المنظومة الفقهية المالكية.
أما من الناحية القانونية، فهذه المراجعة، التي يسهر على تتبعها جلالة الملك، توازن بين الوظيفة التنظيمية للقانون وأبعاده القيمية والاجتماعية، من باب أن النص القانوني، كما يتبدى من هذا المشروع، ليس جامدا ولا معزولا عن سياقه، بل هو انعكاس لرؤية تتجاوز التنظيم المسطري إلى بناء مجتمع قائم على العدل والإنصاف، والدعوة إلى صياغة قواعد واضحة ومحددة تتفادى تضارب التأويلات، وتكرس سيادة القانون كضامن للحقوق وواجبات الأفراد.
إن لغة بلاغ الديوان الملكي، تحمل في جوهرها روح المسؤولية الملقاة على عاتق الأمة، وأن حماية الأسرة لا تعني مجرد تنظيم العلاقات داخلها، إنما صياغة رؤية شاملة تُعيد لها دورها كمؤسسة محورية تحفظ المجتمع وتُقوّم أركانه، وتحفظ قيم “تامغرابيت”.
تشكل مراجعة مدونة الأسرة جزء من مشروع حضاري متكامل، يسير بالمغرب في اتجاه يكرّس هويته الدينية والثقافية، ويستلهم قيمه من جذوره وغنى روافده، وينفتح بتبصر على العالم، إنها خطوة تتجاوز حدود النصوص القانونية إلى بناء القيم الحاضنة للمجتمع، حيث يتناغم الفقه والقانون لبناء إنسان أكثر وعيا بحقوقه وواجباته، وأكثر تمسكا بجوهر رسالته الإنسانية.