هذه القصة ما كنت أتجرأ على نشرها لو لم يسقط النظام الطائفي العلوي في سورية لأن بها جزء يمس ماضيهم القريب و يمثل لهم عقدة نفسية و يكرهون كل من يذكرهم به لذلك تجنبت نشر هذه القصة رغم أني كنت أرويها شفهيا للأصدقاء لغرابة أحداثها و كثرة الصدف العجيبة التي بها . و من خلال السرد ستتعرفون لاحقا عن قصدي من تلك العقدة التي أشرت إليها . أبدأ بأول شخصية للقصة و هي {أنا } العبد الفقير الذي وصل للمغرب في أواخر عام 1972 و سكن بالرباط ثم تسجل بجامعة محمد الخامس بكلية الحقوق لدراسة العلوم السياسية و أخبرني الأصدقاء بأنه يجب علي أن أقوم بالتسجيل القنصلي لدى السفارة السورية بعد أن إنتظمت الدراسة بالجامعة فسألتهم عن الأوراق اللازمة فقالوا شهادة التسجيل الجامعي و صورتين مع جواز السفر و أن التسجيل سيكون لدى السكرتير الأول بالسفارة و إسمه حسن علي حسن و هذا الذي أشرت إليه ب { هو } و حذرني الأصدقاء بأن {هو } ضابط مخابرات و من الطائفة العلوية . إنهيت المحاضرة الصباحية و توجهت لمبنى السفارة الذي كان قريبا من الجامعة و الوصول إليه لا يأخذ أكثر دقائق . دخلت على مكتب {هو } و كان قلبي يخفق بشدة فهذه أول مرة أقابل بها ضابط مخابرات سوري و كنت أفكر في كيفية التعامل معه . قدمت له نفسي و شرحت له سبب زيارتي له . كان الرجل مربوع القامة أشقر الشعر بعيون خضر يميل إلى السمنة . طلب مني أن أعطية الجواز و الصورتين مع شهادة التسجيل ثم فتح جواز سفري و بدأت الأسئلة تنهال علي و كلها تنصب حول أسرتي و عملها و أفرادها فقلت بنفسي بدأنا بشغل المخابرات التي تستند على جمع المعلومات عن الشخص و تذكرت جلوسي أمام ضابط الأمن العراقي بمدينة ااموصل عام 1970 حين تقدمت لطلب الإقامة الذي لم يترك أحدا من أفراد أسرتي و عمومتي و أخوالي و أساتذتي و أصدقائي إلا و سأل عنهم و سجل أسمائهم . الأمر الذي أثار ريبتي أكثر من { هو } أن وجهه كان تبدو على وجهه علائم الرضى بعد كل رد يسمعه مني و يهز رأسه مبتسما ثم فجأة أمر لي بكأس شاي و هذا دليل إيجابي تشككت من هدفه في بداية الأمر و حين وصول كأس الشاي نهض السيد حسن من على مكتبه و جلس على مقعد بجواري و بادرني بالقول { أريد منك خدمة مهمة } نزلت هذا العبارة كالصاعقة علي و بسرعة البرق بدأت أفكر عن ماهية تلك الخدمة فهل يريد مني أن أعمل معه كعنصر مخابرات مثلا ..؟ فقلت له خير إن شاء الله ماذا تريد مني يا سيد حسن ..؟ فأجاب أنا مسجل معك في كلية الحقوق فنحن زملاء الدراسة و أنا لا أستطيع حضور المحاضرات بسبب العمل و لكوني دبلوماسيا فأنا أحتاجك لتزودني بالمحاضرات التي كان بعضها يملى علينا من طرف الأساتذة و أعلمني أنه يريد مني أن أزوده بكل أخبار الدراسة فخف الضغط النفسي عني و قلت له على الرحبة و السعة ثم قال لي سأناديك بأخي أبو علي حيدر و أنت تناديني بأخي حسن إبتسمت و شكرته على إزالة الكلفة بيننا و قررت أن تكون زيارتي له صباحا كل يوم ثلاثاء مع الحادية عشر أحمع له المحاضرات و أخبره عن سير الدروس . كان أخي حسن بكل زيارة كثير الترحيب بي مع كرم بضافة الشاي و القهوة. تطورت العلاقات بيننا فطلب مني أن يحضر لمنزلي القريب من الجامعة و السفارة ليدرس معي بعد إنتهاء دوام عمله لأن بيته صصغير المساحة و به زوجته و أربع بنات هن أطفاله و هكذا كان . كان يحدثني أحيانا عن قريته التي هي بمنطقة جبلة و يتمنى إذا رزقه الله أن يمتلك محطة لبيع المحروقات على مدخلها { تذكروا هذه العبارة التي سأحتاجها في الحلقة الأخيرة } و كان يقول لي أنه منتدب من وزارة المالية كمحاسب للسفارة و أعلمني أن السيد محمد حيدر الشخصية الثالثة بسورية بعد حافظ الأسد و شقيقه رفعت و كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء للشؤ ون الإقتصادية يكون إبن خالته و هو الذي وظفه بالدولة و لم يكن حينها يحمل شهادة البكالوريا التي حصل عليها لاحقا . نجحنا معا بالسنة الأولى و كان يقول دائما أنه مدين لي بنجاحه مما عزز مقامي عنده . و نجحنا معا في السنة الثانية و كانت السعادة تغمر قلبه مع تقديم الشكر لي . جاء صيف 1974 و بينما كنت مساء يوم مع ساعة غروب الشمس أنتقل من مدينة الرباط إلى مدينة سلا عبر الجسر فوق نهر أبي رقراق شاهدت سيارة أخي حسن متعطلة و تقف وسط الجسر . فلاحظت وجود أسرته المكونة من أربع بنات و زوجته بها فتوقفت لأقدم لهم المساعدة و هناك أصابتي الصاعقة التي لم أتوقعها و قدمت لي تفسيرا عما حدث بلقائي الأول مع أخي حسن و من هنا سأبدأ الحلقة الثانية قريبا إن شاء الله . عبدالباسط