عبدالباسط البيك
ترتجف معظم الأنظمة الحاكمة في بلدان العالم الثالث من كلمة معارضة و أصحابها و كذلك الحال بمعظم الدول العربية فالمصطلح ثقيل الوقع على آذان أهل النظام الحاكم الذي وصل معظمهم للحكم بطرق غير شرعية لم تحترم الإرادة الحقيقية للشعب و معظم تلك الأنظمة وصل قادتها للسلطة عن طريق إنقلاب عسكري قام به ضباط مغامرون بحجج واهية لتبرير سيطرتهم على الحكم . و أول ما تسعى إليه تلك الأنظمة هو تثبيت وجودها و ضمان إستمرارها . و في بيانها الأول الذي تبثه عبر محطات الإعلام تعلن عن حل الاحزاب السياسية و إيقاف نشر الصحف و إعلان حالة الطوارىء التي لا تسمح بالإعتراض عما يجري في البلد و تكمم الأفواه و تزج بالمعارضين لها غياهب السجون . هذا هو النموذج الذي يطبق عادة في بلدان العالم الثالث التي لم تتربى شعوبها و قيادتها السياسية المدنية و العسكرية على أصول الحكم القائم على مبادىء و أسس الديمقراطية و الإنتخابات الحرة النزية . لقد سبقتنا شعوب الدول الأوربية في هذا المجال من خلال تجارب مرت بها في القرون الماضية و بعد معاناة مريرة وصلوا لما نراه من أنظمة حكم قائمة على الديمقراطية و حرية الأحزاب و الإنتخابات التي يختار الشعب بها ممثليه عبر برامج سياسية يقدمها كل حزب للشعب و الشعب هو الذي يختار فتكون هناك حكومة من الحزب الذي حظي بأغلبية الأصوات و تستلم زمام الأمور و يكون إلى جوارها أحزاب معارضة أخرى لها برامج سياسية و إقتصادية تختلف ببعض توجهاتها عن الحزب الفائز الذي يسعى لتطبيق برنامجه الذي وعد الشعب به . في دول العالم الثالث لا تسير الأمور على هذا المنوال فالحاكم الذي وصل للحكم بطريقة غير مشروعه يصبح الآمر الناهي فلا صوت لأحد في النظام إلى لصوته و للحزب الأ وحد الذي يشكله كديكور يحكم البلد من خلاله . و معضلة هذا النموذج أنه هو الذي يخلق له أعداء من خلال تسلطه على المؤسسات الدستورية لأنه يقصي الآخرين من المساهمه في تسير شؤون الدولة . و لو كان الحاكم حكيما لأوجد معارضة لحكمه تقوم بمراقبة مسيرة الحكومة و تسهر على إصلاح الأخطاء التي قد تقع . أذكر أن الملك الحسن الثاني رحمه الله قال ذات مرة { لو لم تكن هناك معارضة عندنا لأوجدتها بنفسي فهي التي تقوم بالمراقبة و تنبهنا إلى الأخطاء التي قد نسير بها دون إنتباه } و إستنأس بقول الخليفة عمر رضي الله عنه { رحم الله من يهدي لنا عيوبنا } . فدور المعارضة هنا حسب مفهوم الملك الحسن الثاني قائم على مراقبة الحكومة في عملية تطبيق برنامجها الذي وضعته . و كان الملك الحسن الثاني يقول { أريد معارضة تمشي إلى جواري و عن يميني و شمالي و خلفي و لكن ليس أمامي } و هذا يسمح للمعارضة بالمساهمة في إدارة شؤون الدولة بشكل مباشر و غير مباشر . فوجود الأحزاب المعارضة في البرلمان يوفر لها فرصة المشاركة بمراقبة الحكومة و مناقشة الميزانية السنوية من خلال الرقابة التي تفرض على كل وزارة و وزيرها إذ يحق للأحزاب المعارضة إستجواب الوزراء في جلسات توجه إليهم أسئلة معينة حول تسيير وازارتهم و عليهم أن يردوا على أسئلة السادة النواب بكل شفافية و وضوح . إن مفهوم المعارضة القائم على إسقاط النظام بالقوة و العنف للحلول محله بات مفهموما عقيما و غير مجد فالعمل يبنبغي أن يكون من خلال النظام القائم فالدول المتقدمة مسحت فكرة إسقاط النظام بالقوة و العنف من أبجديتها السياسية و إستبدلته بمفهوم التناوب على السلطة عبر الإنتخابات التي تتجدد حسب ما يقره الدستور في بنوده . و في تجربة عملية شاهدها المغرب في تسعينيات القرن الماضي توصل الملك الحسن الثاني رحمه الله مع الأحزاب المعارضة إلى تحقيق هذا المفهوم فمسحت فكرة إسقاط النظام بالقوة و العنف من رؤوس المعارضين و تم الإتفاق على أن يتم التناوب على تداول الحكم بين الأحزاب المعارضة و الأحزاب الموالية في توليقة دقيقة تتناسب مع الوضع السياسي في المغرب فوصل أحد أقطاب المعارضة الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي لمنصب رئيس للوزراء و هو الذي عمل لسنوات على إسقاط النظام الملكي وخطط لإغتيال الملك الحسن الثاني رحمه الله و إسقاط حكمه عدة مرات . الأحزاب المعارضة المغربية إقتنعت أن فكرة إسقاط النظام ليست مجدية و أنه من الأفضل و الأنسب الدخول إلى حلبة السياسة المفتوح في وجهها للقيام بمهامها و أدوارها التي تطمح إليها . التجربة المغربية غنية بنتائج طيبة فقد تم التصالح مع المعارضين و رجع من كان في المنفى و تم إنشاء مجلس إستشاري لحقوق الإنسان درست فيه كل ملفات السجناء السياسيين السابقين و الذين توفوا بالسجون و تم تعويضهم ماديا و معنوديا عبر تضحيات من كل الفرقاء فالهدف هو تحقيق الأمن و السلم الإجتماعي و تطوير نظام الحكم القائم نجو الديمقراطية التدرجية . كان الملك الحسن الثاني حريصا على وجود معارضة لها وزنها و يسمع صوتها بين طبقات الشعب فساهمت الدولة بدعم تلك الأحزاب لإصدار صحف ناطقة بإسمها تخاطب الشعب بموجب فكرها السياسي كما كانت الحكومة تدفع دعما ماديا للأحزاب كافة أثناء الحملات الإنتخابية و في خطب عديدة كان الملك الحسن الثاني يطلب من كل الأحزاب السياسية تعبئة أنصارها من الشباب سياسيا و فكريا بشكل دائم و أن لا يكون ذلك موسميا و وقت الإنتخابات فقط . و حتى النقابات العمالية و الطلابية لم ن تكن هناك نقابة واحدة تتبع لفكر سياسي واحد كما هو عليه الحال في معظم بلدان العالم الثالث تكون تابعة للنظام السياسي و تعمل بتوجيهاته فقد سمح بتعدد النقابات و كان لعدد من ألأحزاب نقاباتها الخاصة بها و تخضع لتوجيهات و إشراف الحزب و قيادته السايسية و النقابية . إن مساهمة الأحزاب السياسية بكامل إتجاهاتها يدعم السلم الإجتماعي في المجتمع و يثبت الأمن و الإستقرار و هذا بدوره يدفع بعجلة الإقتصاد إلى الأمام . أذكر أنني شاهدت حصاد نشاط حزب معارض في السنة البرلمانية الماضية فقد ساهم ذلك الحزب بتقديم مشاريع مراسيم و ساهم مع أحزاب أخرى بتقديم مشاريع مشتركة كما أنه قدم إقتراحات لتعديل مشاريع قدمتها الحكومة و تم الأخذ بها و إستجوب عدد من الوزراء من خلال المراقبة التي تسمح لنواب الشعب بتوجيه أسئلة مباشرة للوزراء عن نشاط وزاراتهم . إن هذه التجربة المغربية جديرة بأن تكون أسوة حسنة في البلدان التي تعاني من تسلط الحاكم الأوحد و الحزب الوحيد على نظام الحكم , و التجربة تعتبر مرحلة مهمة في تعميق التربية السياسية لممارسة إسلوب حكم راق يحترم مصالح الشعب للوصول إلى مجتمع أفضل يسوده العدل و المساواة و الحرية و الرخاء …عبدالباسط